17‏/05‏/2016
https://s3.amazonaws.com/MPImages/PJD/Yatim%2C+Mohammed+Nouabook.jpg

محمد يتيم

الجهاد المختطف والحاجة إلى تحريره
محمد يتيم

أصبح من اللازم تحرير مفهوم " الجهاد "، الذي خضع لعملية اختطاف وتشويه من قبل ما يسمي ب "الجهاديين"، تماما كما يتعين تحرير مفهوم "الدولة الاسلامية"، التي خضعت لعملية اختطاف من قبل "داعش".

الحاجة ماسة إلى إبراز جمالية الجهاد في الاسلام وتحريره من الصورة القبيحة التي أصبح يقدم من خلالها للعالم.

لقد واجه عدد من علماء الاسلام ومفكروه المعاصرين - في إطار تأكيد جمالية الجهاد - شبها روجها المستشرقون الذين حاولوا تقديم الاسلام على أنه قد انتشر بالسيف. ونحن اليوم أمام ممارسات تختطف مفهوم "الجهاد"، وتصور "الدولة الاسلامية" و"مجاهديها" في شكل وحوش بشرية متعطشة للدم، تتباهي بقطع رؤوس الأسرى، وتثخن قتلا في الأبرياء المسالمين من خلال عمليات انتحارية، سميت زورا وبهتانا عمليات "جهادية"، استنادا إلى فتاوى لا محل لتطبيقها في السياق المعاصر من قبيل جواز قتل المتمترس، ولو أدى ذلك إلى قتل غير المحاربين.

ومن المؤكد أن الفقهاء الذين قالوا بمثل هذا الفتاوى لو تيسر لهم أن يعاينوا كيف أصبحت فتاواهم تستخدم لترويع الأبرياء وأخذهم رهائن، وتفجير القنابل البشرية في الأسواق والتجمعات العامة، بل وفي أماكن العبادة، بما فيها المساجد، على اعتبار أنها مساجد ل"الروافض" أو العكس، وتبرر مهاجمة الأبرياء في الفنادق والساحات العامة في بلاد الغرب... دون شك لو أنهم اطلعوا عليها سيعيدون النظر فيها، وهم يَرَوْن كيف أصبحت تبرر أعمالا تتنافي مع روح الاسلام ومع مفهوم الجهاد وضوابطه وأخلاقه.



جهاد الدفع وجهاد الطلب

بالرجوع إلى فقه الجهاد في كتب الفقه الاسلامي نجد الفقهاء قد ميزوا بين نوعين من أنواع الجهاد: جهاد الدفع وجهاد الطلب. والمقصود بالأول: دفع العدوان عن الأمة حين تتعرض له وهو واجب، وقد يتحول إلى فرض عين إذا لم تتحقق الكفاية من الجيش الموكول له واجب حماية البلاد والعباد من العدوان. أما المقصود من الثاني فهو المبادءة بغزو البلاد غير المسلمة بعد دعوتها إلى الإسلام، وتخييرها بين الاسلام أو الجزية أو القتال.

بل ذهب بعضهم إلى أن جهاد الطلب، وغزو العدو مرة كل سنة، فرض على الأمة !!!

ولقد اختلف الفقهاء في وجوب هذا النوع، بينما جعله البعض مثله في ذلك من أبواب الجهاد، بابا من أبواب السياسة الشرعية الخاضعة للتقدير والمصلحة.

ودون شك فإن بعض الأحكام الفقهية ذات الصِّلة بالجهاد، إنما أحكاما مرتبطة بعصرها ومتأثرة بموازين القوة التي كانت سائدة في العالم آنذاك، والعلاقة بين القوى الدولية، وهي على كل حال من اجتهادات السياسة الشرعية المحكومة بعدد من الاعتبارات ومنها فقه المال.

ومن خلال التأمل في مفهوم الجهاد وآراء العلماء المعتبرين، فيما يتعلق بمفهوم الجهاد على ثلاثة ملاحظات كبرى:

أن الأصل في الجهاد هو رد العدوان، وأن الإذن فيه إنما كان بعد مرحلة طويلة من الأمر بكف الأيدي وإقامة الصلاة والصبر على الإيذاء، وكان الإذن به معللا بوضوح برد العدوان وردعه :
" أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير، الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم بغير حق، إلا أن يقولوا ربنا الله، ولولا دفاع الله الناس بعضا لفسدت الأرض، ولكن الله ذو فضل على العالمين"، "وقاتلوا الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا، إن الله لا يحب المعتدين".

ثم إن القتال حين يصبح لا مفر منه مشروط بمجموعة من الشروط والضوابط، منها أن يكون حقا في سبيل الله، وألا يتجاوز الحد المأمور به، بحيث يكون الاعتداء بمثله: "فان اعتدوا فاعتدوا عليه بمثل ما عادوا عليكم"، وألا يتجاوز المعتدين الظالمين إلى غيرهم من المسالمين من النساء والأطفال والشيوخ الضعفاء، والعباد المتنسكين المنقطعين في صوامعهم وأديرتهم وبيعهم وكنائسهم.

عن أبي عمر الحويني أن أبا بكر - رضي الله عنه - بعث يزيد بن معاوية إلى الشام، فمشى معه يشيعه، قال يزيد: إني أكره أن تكون ماشيا وأنا راكب، قال: فقال: إنك خرجت غازيا في سبيل الله، وإني أحتسب في مشيي هذا معك، ثم أوصاه فقال: لا تقتلوا صبيا، ولا امرأة ولا شيخا كبيرا، ولا مريضا، ولا راهبا، ولا تقطعوا مثمرا، ولا تخربوا عامرا، ولا تذبحوا بعيرا ولا بقرة إلا لمأكل، ولا تغرقوا نحلا ولا تحرقوه. (وقد روي في ذلك) عن النبي - صلى الله عليه وسلم.

- إنه حتى في حالة جهاد الطلب، فإنه لم يكن السيف يوما وسيلة لإجبار الناس على الدخول في الإسلام، وإنما كانت القوة إزاحة للطغاة والمتجبرين المتسلطين على رقاب الناس، والذين يحولون دونهم ودون حرية الاختيار، بل إنه دفاع عن حرية المعتقد وممارسة حق العبادة بالنسبة لأهل الأديان الأخرى: "ولولا دفع الله الناس بعضهم لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا".

- عدم حصر الجهاد في القتال، فليس القتال إلا شعبة من شعب الجهاد. إن الجهاد هو أعم من القتال، فهو شامل لكل أنواع الجهد المبذول لنصرة الحق وإقامة العدل. يقول الدكتور القرضاوي بعد استعراض بعض تعريفات الجاد عند الفقهاء: الجهاد يشمل: عمل القلب بالنية والعزم، وعمل اللسان بالدعوة والبيان، وعمل العقل بالرأي والتدبير، وعمل البدن بالقتال وغيره.

وخلاصة القول: إن الجهاد يعني: بذل المسلم جهده ووُسعه في مقاومة الشر ومطاردة الباطل، بدءًا بجهاد الشر داخل نفسه بإغراء شيطانه، وتثنية بمقاومة الشر داخل المجتمع من حوله، منتهيا بمطاردة الشر حيثما كان، بقدر طاقته. (فقه الجهاد الدكتور القرضاوي).

فالجهاد يدخل فيه إذن جهاد النفس، وتروضها للاستقامة على الدين. ويدخل فيه الجهاد العلمي، حيث دعا الاسلام للنفير للعلم: "فلولا نَفَر من كل فرقة طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون".

ويدخل فيه الجهاد بالمال الذي ما ذكر الجهاد بالنفس إلا مقرونا بالجهاد بالمال، ويدخل فيه العمل السياسي والوقوف في وجه حكام الجور والصدع في وجههم بكلمة الحق: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر"، ويدخل فيه بر الوالدين وخدمتهما.

فعن عبد الله بن عمر قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: احي والدتك؟ قال : نعم ، قال : ففيهما فجاهد.

وتدخل فيه مساحات واسعة من العمل الدعوي والتعليمي والتربوي واستنهاض جهود الأمة..، وكل عمل من أعمال الخير والبناء فهو يدخل ضمن نطاق "في سبيل الله كما فسر غير واحد من العلماء: "إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم والغارمين وفي سبيل الله ..."

وقد ورد في كثير من الأحاديث بيان أفضلية أعمال بعينها حتى على القتال في سبيل الله، بحسب اختلاف الأشخاص والأوضاع والسياقات وواجب الوقت، كما القتال في سبيل الله، قد يكون أفضل الجهاد، حسب اختلاف الأشخاص والأوضاع وواجب الوقت.

ثم إن القتال المشروع في حد ذاته لا يكون كذلك إلا إذا كان في سبيل الله، فقد سئل النبي (ص) عن الرجل يقاتل شجاعة، والرجل يقاتل حمية أيهم في سبيل الله قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله. وذلك يعني أنه ليس كل ادعاء للجهاد هو جهاد في سبيل الله، بل قد يكون لأغراض وأهداف أخرى.

لماذا أذن الله للمسلمين في القتال بعد الهجرة؟

من خلال التأمل في آيات القتال ونسخ الحكم الذي كان ساريا خلال المرحلة المكية، حيث أمر الله المؤمنين بكف اليد والصبر وعدم الرد على الأذى بأذى مثله يتضح ما يلي:

إن الاسلام لم يكن البادي بالقتال، بل إن الإذن بالقتال جاء ردا على جريمة العدوان الذي شنته قريش بإخراج المهاجرين من أرضهم وديارهم، وتجريدهم من ممتلكاتهم، فقط لمخالفتهم في دينهم واتباعا للدين الجديد.
" أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير، الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله." وقال: "ألا تقاتلون قوما نكثوا إيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤوكم أول مرة، أتخشونهم والله أحق أن تخشوه إن كُنتُم مؤمنين"، والأكثر من ذلك أنهم خططوا لاغتيال النبي صلى الله عليه وسلم وبيتوا ذلك، فضلا عما ارتكبوه من جرائم في حق المستضعفين من المؤمنين، تنكيلا وتعذيبا لهم، وإخراجا لهم من ديارهم، ومصادرة أموالهم. " وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك، ويمكرون والله خير الماكرين ".

نكثهم للعهود والأيمان: "إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم، إن الله يحب المتقين، كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة، يرضوكم بأفواههم وتأبيد قلوبهم، وأكثرهم فَاسِقُون .... وإن نكثوا أيمانهم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمن لهم، لعلهم ينتهون".
نصرة المستضعفين المظلومين: فالجهاد أداة ردعية لإيقاف الظالمين على حدهم، وهو تدافع، لولاه لانتصر الظلم والفساد، والإذن به من فضل الله على العالمين، فهو وسيلة لتحرير الأرض من الظالمين ومن إفسادهم للأرض، وتحرير للمستضعفين من سطوتهم، وإنهاء سطوتهم وإرهابهم للمستضعفين المتطلعين للحرية. "وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان، الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم اَهلها، واجعل لنا من لَّدُنك سلطانا نصيرا". "ولولا دفاع الله الناس بعضهم بعضا لفسدت الأرض، ولكن الله ذو فضل على المؤمنين".
لقد أصبحت "الدولة " الجديدة إذن في وقت وجيز بحكم أنها صاحبة رسالة تحررية عالمية، تحمل مسؤولية السهر على نشر قيم العدل والحريّة والمساواة، وتحرير الإرادة الإنسانية، وتمكين الشعوب من تقرير مصيرها، ولذلك سرعان ما ستنطلق لنشر هذه الرسالة، وإزاحة " الأنظمة " التسلطية التي كانت قد استعبدت شعوبها آنذاك .

هي الرسالة التي حملها الجندي المسلم ربيع بن عامر، حين دخل على رستم قائد الفرس، وذلك حين سأله: ما الذي جاء بكم؟ فقال: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضِيق الدنيا إلى سعَتَها، ومن جَوْر الأديان إلى عدل الإِسلام... "

اليوم بعد أن أصبح العالم ومواثيقه تضمن حرية الاعتقاد للأفراد كما تضمن للشعوب تقرير مصيرها، وأصبحت حرية السفر والتجول في الأرض حقا من حقوق الإنسان، وتتجه الحدود الجغرافية إلى التلاشي، وتراجع هامش تدخل الدولة القطرية أو الوطنية في حياة الأفراد، ويتم الاتجاه إلى إقرار مفهوم جديد للمواطنة، المواطنة العالمية، يبدو هذا الوضع أقرب إلى مطلب الاسلام الأول، الذي عرضه محمد صلى الله عليه وسلم، أي ضمان حرية الدعوة والتبشير بتعاليم الدين الجديد حين قال: "خلوا بيني وبين قومي".
كما أن الشرعية الدولية والمواثيق والاتفاقيات والاعلانات الدولية تتجه في الغالب الأعم إلى إقرار عدد من الأحكام والمبادئ والمقاصد التي جاء من أجل تحقيقها هذا الدين.

ويكفي بالنسبة للمسلمين اليوم أن يكونوا في مستوى مسؤوليتهم التاريخية كي يكتشفوا أن أمامهم فرصة غير مسبوقة للإسهام في إسعاد البشرية وتقديم جمالية الاسلام بل وجمالية الجهاد.

يقول الدكتور القرضاوي في إحدى الحوارات: "إننا في عصرنا هذا لم نعد محتاجين إلى قتال الطلب إطلاقًا؛ لأن الأبواب مفتحة أمامنا للدعوة العالمية، ولسنا في حاجة إلى أن نذهب بالجيوش إلى أوربا، أو إلى أمريكا، أو إلى الصين، أو إلى الهند، فالفضائيات موجودة، والإذاعات الموجهة موجودة، والإنترنت موجود، وتستطيع أن تغزو العالم بها".

نحن الآن لسنا في حاجة إلى جيوش تقاتل بالسيف والمدفع، نحن في حاجة إلى جيوش جرارة تجاهد بالقلم، والعلم، والفكر، والدعوة، إلى آلاف وعشرات الآلاف من الإعلاميين والدعاة والمعلمين الذين يخاطبون الناس بلغتهم، وبألسنتهم حتى يبينوا لهم (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ).

ويقول القرضاوي: "وهكذا نرى أن ما كان يظنه الكثيرون: أن جهاد الطلب، وغزو العدو مرة كل سنة، فرض كفاية على الأمة، وأنه أمر مجمع عليه، ليس كما ظنوا، وإنما المجمع عليه في هذا المقام: أمران لا خلاف عليهما:

الأول: ما ذكره ابن رشد: أن ينزل العدو ببلد من بلاد المسلمين، فيجب عليهم جهاده، ويجب على الجميع إعانتهم حتى يهزم.

والثاني: تجهيز الجيوش، وإعداد العدة اللازمة للدفاع عن الحوزة، من القوة العسكرية الكافية لردع العدو، والقوة البشرية المدربة، بما يقتضيه العصر في البر والبحر والجو. استجابة لقوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال:60].



مسؤوليات المسلمين اليوم

مما سبق يتأكد أن على المسلمين اليوم مسؤوليات كبيرة منها :

- التمثل الصحيح للإسلام ومقاصده في العدل والمساواة وتكريم بني آدم، ثم القدرة على إعادة تقديم الاسلام للبشرية كما قدمه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته، باعتباره دينا ينزع نحو الحرية ونحو العدل، وهو ما جعله يقدم مشروعا إصلاحيا " تقديما " ومتقدما على عصره، مما جعل أعناق الشعوب تضطلع إلى رحمته وعدله.

- الانخراط ضمن المنظومة الأممية لحقوق الانسان، باعتبار أن المسلمين أولى بها والقدرة على أن يكونوا عنصرا فاعلا في المنتظم الدولي، ومسهما في صياغة المعايير الحقوقية، وفي العمل على فرض الالتزام بها من قبل دول العالم. ولقد رأينا كيف بادر النبي صلى الله عليه وسلم إلى الدخول في حلف الفضول. وأكد أنه لو أجاب به في الاسلام لأجاب حيث قال" لقد شهدت في دار عبد الله بن جذعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم ".

- تعزيز التضامن بين الدول الاسلامية وبناء قوة عسكرية على غرار الحلف الأطلسي، أو حلف الناتو، قادرة على تحقيق الردع الاستراتيجي تطبيقا لقوله تعالى :" وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل، ترهبون به عدو الله وعدوكم، وآخرين لا تعلمونهم الله يعلمهم"، على أن يتولوا بأنفسهم صناعة أسلحتهم وتطوير تكنولوجياتها، وهم قادرون اليوم على ذلك، لو توفرت عندهم الإرادة السياسية.

إن القوة في إطار مفهوم الردع الاستراتيجي يتم إعداده في الأصل ليس للاستخدام وإنما لردع الأعداء، وجعلهم يفكرون ألف مرة قبل الأقدام على مباراة غير محسوبة. هو الاعداد للحرب من أجل تحقيق السلام، هو إعداد قوة الردع من أجل ألا تقع الحرب.

وواهم اليوم من يعتقد أنه يمكن أن ينتصر في حرب معاصرة أو أن يفرض سيطرته العسكرية مهما بلغت قوته، فإن ما تختزنه الأرض من ترسانة من الأسلحة الكلاسيكية والنووية والبيولوجية، ومن تطور تكنولوجي جعل الحديث عن حرب النجوم في وقت من الأوقات كافي لضمان تدمير كامل للبشرية ولمعالم الحضارة التي بناها بنو البشر منذ أن ظهروا على وجه الأرض .

بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالم الثانية وهزيمة اليابان بعد أن ألقت القوات الأمريكية قنبلتين نوويتين أدرك البلدان أنه هناك طريق أخرى لممارسة الحرب، وهي الامتناع عن الدخول في منطقها، فجنحتا إلى السلم لتتحولا في أقل من أربعة عقود إلى الواجهة وتصبحا قوتين اقتصاديتين عظمتين، علما أنهما قد تخلتا عن كل طموح في قيادة العالم على مستوى القيم.

واليوم فإن عددا من دول العالم الاسلامي -إن لم تكن كلها- مشغولة بتوسيع خردتها من الأسلحة التي توجد شفراتها الالكترونية لدى خصومها، وهو ما يضمن من جهة استمرار تجار السلاح وبارونات تجارة الحرب في الاستيلاء على مقدراتها، هي مشغولة بذلك لأنها مشغولة بمخاطر موهومة من دول الجيران من أخوة الدين واللغة والعقيدة والاشتراك في التخلف عن ركب الحضارة والعجز عن القضاء على المرض والفقر والجهل والأمية بين صفوف شعوبها!

ماذا لو جربت الأمة الإسلامية ودولها هذا الطريق!! ماذا لو استطاعت أن تحرر الاسلام المختطف والجهاد المختطف، وتقدم الاسلام في جماليته، وتجتهد في ذلك، في الوقت الذي خلى العالم بينها وبين الناس، ويكفي فقط أن تكون في مستوى القدرة. على البلاغ المبين وإقامة الحجة؟ ماذا وهي تملك ما لا تملكه ألمانيا واليابان ؟

ماذا لو استطاعت أن تحرر الاسلام والجهاد المختطف من قبل مجموعات متعطشة إلى الدم تُمارس القتل والذبح والتفجير في الأمنين المسلمين في بلاد المسلمين وبلدان أوروبا وأمريكا، بدعوى الجهاد في سبيل الله؟ أي دولة إسلامية التي تختصر " الدولة " في لباس أسود وأعلام سوداء ومجانين حرب، يجوبون مدن العراق والشام، ويقدمون أنفسهم أنهم جيش الخلافة وجند الله الذين سيعيذون فتح العالم!!!

هل المسلمون اليوم في تخلفهم واختلافهم، وفي فقرهم وفرقتهم، وفي فهمهم " البدوي " للاسلام، وفي استمرار عيشهم أسارى حروب التاريخ وجدالات المتكلمين واستمرار تدريس العقيدة من خلال منظومات جوفاء ، والغيبوبة الكبرى للعقل الذي أيقظه الاسلام بالوحي، والكرامة المهدرة من قبل الاستبداد ، .. مؤهل للقيام بهذه المهمة !!

إنه السؤال الأكبر الذي يتعين البحث له عن جواب !!

اشتركوا في النشرة الإخبارية